السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالك يا شيخنا الكريم، ما هي أفضل أدعية الاستفتاح التي يُستحب قراءتها والمداومة عليها؟
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فدعاء الاستفتاح هو الذكر الذي يستفتح به المصلي صلاته، ومحله بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة، وقد ثبت عن النبي ﷺ في ذلك صيغ متعددة، فبأي صيغة صحيحة استفتح المصلي صلاته فقد أصاب السنة، ولا ينبغي الإنكار على من استفتح بواحدة منها، بل السنة التنويع بينها أحيانًا؛ إحياءً لجميع السنن الثابتة عن النبي ﷺ.
ومن أشهر ما ورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة ـ قال: أحسبه قال: هنية ـ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)). رواه البخاري ومسلم.
وثبت من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)). رواه مسلم.
وجاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)). رواه أبو داود والترمذي.
وقد اختلف أهل العلم في أي هذه الصيغ أفضل وأولى بالتقديم، مع اتفاقهم على جواز العمل بكل ما صح منها؛ فقد قدم بعضهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأنه أصح الأحاديث الواردة في الاستفتاح، وقدم الإمام الشافعي رحمه الله حديث علي رضي الله عنه، وقدم الإمام أحمد رحمه الله حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
ومن أجمل ما قيل في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنه جعل الذكر ثلاثة أنواع، فقال: ((الذكر ثلاثة أنواع: أفضلُه ما كان ثناءً على الله، ثم ما كان إنشاءً من العبد أو اعترافًا بما يجب لله عليه، ثم ما كان دعاءً من العبد.
فالأول مثل النصف الأول من الفاتحة، ومثل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ومثل التسبيح في الركوع والسجود.
والثاني مثل قوله: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، ومثل قوله في الركوع والسجود: اللهم لك ركعت ولك سجدت، وكما في حديث علي الذي رواه مسلم.
والثالث مثل قوله: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، ومثل دعائه في الركوع والسجود)). ا. هـ
وقال أيضًا: أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحِ مَا كَانَ ثَنَاءً مَحْضًا مِثْلَ: "سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك. وَلَا إلَهَ غَيْرُك" وَقَوْلُهُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"، وَلَكِنَّ ذَاكَ فِيهِ مِنْ الثَّنَاءِ مَا لَيْسَ فِي هَذَا فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ ذِكْرَ " الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ " الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: " تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك ". وَهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ أَيْضًا. وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْهَرُ بِهِ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ.
وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ عِبَادَةِ الْعَبْدِ. كَقَوْلِهِ: "وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ" إلَخْ. "
وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ"
فَإِنْ قُلْت: هَذَا التَّرْتِيبُ عَكْسُ الْأَسَانِيدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي اسْتِفْتَاحِ الْفَرِيضَةِ إلَّا هَذَا الدُّعَاءُ "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ"، وَقَوْلُهُ: "وَجَّهْت وَجْهِي" فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَحَدِيثُ "سُبْحَانَك اللَّهُمَّ" فِي السُّنَنِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَّهْت وَجْهِي"، قُلْت: كَوْنُ هَذَا مِمَّا بَلَغَنَا مِنْ طَرِيقٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا فَهَذَا لَيْسَ فِي صِفَةِ الذِّكْرِ نَفْسِهِ فَضِيلَةٌ تُوجِبُ فَضْلَهُ عَلَى الْآخَرِ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِعِلْمِنَا بِهِ وَالْفَضِيلَةُ كَانَتْ ثَابِتَةً عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زَمَنِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَنَا الْأَمْرُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ÷ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بسبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك يُعَلِّمُهُ النَّاسَ فَلَوْلَا أَنَّ هَذَا مِنْ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا عُمَرُ وَيُقِرُّهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لَا يَخْتَصُّ بسبحانك اللَّهُمَّ وَوَجَّهْت وَجْهِي وَغَيْرِهِمَا بَلْ يُسْتَفْتَحُ بِكُلِّ مَا رُوِيَ؛ لَكِنَّ فَضْلَ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ عَلَى بَعْضٍ يَكُونُ بِدَلِيلِ آخَرَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ إلَخْ " يَتَضَمَّنُ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ" وَأَيْضًا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ" فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ أَوَّلُ مَا فِي الِاسْتِفْتَاحِ وَهِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ. وَأَيْضًا فَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ وَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ الصَّلَاةِ. بِقَوْلِهِ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} فَكَانَ ابْتِدَاءُ الِامْتِثَالِ بِهَذَا الذِّكْرِ أَوْلَى. وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَالضَّحَّاكِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ قَوْلُ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنْت أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّعْظِيمِ بِصِفَاتِ الْبَقَاءِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ. اهـ ((مجموع الفتاوى)) (22/ 394)
وعليه، فالأقرب ـ والله أعلم ـ أن جميع صيغ الاستفتاح الصحيحة سنة، والمصلي مخير بينها، لكن من حيث الأفضلية والترتيب، فإن صيغة: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك))
هي أولى الصيغ بالتقديم؛ لأنها من الثناء المحض على الله تعالى، وهذا هو النوع الذي قدمه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ووافقه تلميذه ابن القيم، ثم يليها ما كان متضمنًا لإخبار العبد عن عبادته وتوحيده، كحديث علي رضي الله عنه: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض...))، ثم ما كان دعاءً وسؤالًا، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي...)).
ومع ذلك، فلا ينبغي أن يجعل هذا الخلاف سببًا للنزاع أو الإنكار؛ فكل هذه الصيغ من السنة، والمقصود أن يستفتح المسلم صلاته بما ثبت عن النبي ﷺ، وله أن ينوع بينها، فإن في ذلك اتباعًا للسنة وإحياءً لوجوه العبادة الواردة عنه ﷺ.
والله تعالى أعلم.