الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0111

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاك الله خيرًا شيخنا ومعلمنا ونفع بك الإسلام والمسلمين، هذه السائلة تسأل وتقول. يا شيخ أنا امرأة في السابعة والعشرين من عمري أمضيته في دراسة الجامعة وفي الحياة الدنيا بمعنى أنني أقر وأعترف كنت ألهو في هذه الحياة الدنيا ولم أعبد الله حق عبادة، وحينما شاء الله لقلبي أن يعود إلى ربه وحاسبت نفسي أنني أمضيت وقتًا ثمينًا من عمري وشبابي وصحتي في الغفلة والإعراض وعدم حفظ كتاب الله، فيسر الله لي أنني كنت أستمع لمحاضرات وعظية لمشايخ السنة والجماعة في اليمن فتغير قلبي وتغيرت وجهتي، أريد يا شيخ أن تدلني وتنصحني، لأنني يا شيخ كبرت في عائلة لا يهتمون بالجانب الديني وهمهم الدنيا وما بها، وحينما عرضت فكرة تعلم العلم الشرعي في مساجد ودور أهل السنة، رفضت أمي وواجهتني بالغضب والمنع، فأنا أريد أن أتعلم ولو من البيت لكنني مشتتة، كيف ابدأ طلب العلم وماذا يجب علي أن أفعل، خاصة وأمي لن تعطيني مالًا كي أقتني كتب العلم النافع، فماذا أفعل يا شيخ، لا أريد أن يضيع باقي عمري في الفراغ، يعني يا شيخ يومي يمضي أولًا في الصباح بالمطبخ، وبالعصر فراغ لا أدري ما الذي أفعله، لأن أهلي ما سمحوا لي بالخروج لتعلم العلم النافع في مساجد أهل السنة، انصحني يا شيخ كيف أمضي حياتي وكيف ابدأ وبماذا ابدأ، لكم مني الدعاء يا شيخ، فأنتم لستم شيوخنا فقط بل رحمة من الله عز وجل.

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الحمد لله الذي يحيي القلوب بعد موتها، ويوقظها من غفلتها، ويفتح لها أبواب التوبة والهداية. وما ذكرتِه أيتها الأخت الكريمة من رجوع قلبك إلى الله، وشعورك بالتقصير، وندمك على ما مضى، ورغبتك الصادقة في طلب العلم والاستقامة؛ فهذه نعمة عظيمة، فاحمدي الله عليها، واسأليه الثبات حتى الممات. ولا تنظري إلى السنوات التي مضت على أنها ضاعت، فإن العبرة بما يختم الله به للعبد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالخواتيم)). رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. وتأملي ـ رحمك الله ـ في سيرة الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقد عاش نحو ثلاثين سنة في الجاهلية، ثم أسلم، ولم يمض على إسلامه إلا سنوات قليلة، ومع ذلك بلغ من المنزلة ما بلغ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لما مات: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)) متفق عليه من حديث جابر. فانظري كيف يمكن لأعوام قليلة أن ترفع صاحبها هذه الرفعة العظيمة! فلا تقولي: لقد ضاع من عمري سبع وعشرون سنة، فماذا عساني أن أصنع فيما بقي؟ بل قولي: لعل ما بقي من عمري يكون خيرًا مما مضى. وليس الشأن في طول الأعمار، وإنما الشأن في بركة الأعمار وحسن الختام. وكونك أدركتِ تقصيرك في السابعة والعشرين خيرٌ لك من أن تمضي سنوات طويلة ثم لا تستيقظ النفس إلا عند الكِبَر أو عند الموت. فإياك أن يأتيك الشيطان من هذا الباب فيقول لك: لقد فاتك الكثير وضاع عمرك؛ ثم يحملك ذلك على اليأس. بل قولي: مضى ما مضى، وأما ما بقي فسأجعله لله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فإذا صدقتِ التوبة، وأقلعتِ عن الذنب، وندمتِ على ما فات، وعزمتِ ألا تعودي إلى التقصير؛ فابدئي صفحة جديدة، ولا تشتغلي كثيرًا بالتحسر على الماضي، وإنما اشتغلي بإصلاح الحاضر والاستعداد للمستقبل. وأما طلب العلم: فأوصيك أولًا ألا تشتتي نفسك بكثرة الكتب والمحاضرات؛ فطلب العلم ليس بكثرة ما تسمعين وتقرئين، وإنما بالعلم الذي تفهمينه وتعملين به. وابدئي بالأهم فالأهم. أولًا: أصلحي علاقتك بالله: حافظي على الصلوات في أوقاتها، وحافظي على الرواتب، وأكثري من النوافل، وأكثري من الذكر والاستغفار والدعاء، واجتهدي في قيام الليل ولو ركعتين، واجعلي لك وردًا ثابتًا من القرآن. ولا تجعلي همك أن تحفظي القرآن كله دفعة واحدة، بل ابدئي بالقليل مع المراجعة، ولو نصف صفحة في اليوم، فإن المداومة على القليل خير من الانقطاع عن الكثير. ثانيًا: تعلمي العقيدة الصحيحة: ابدئي بكتاب مختصر واضح، مثل الأصول الثلاثة، مع شرح موثوق، ثم القواعد الأربع، ثم كتاب التوحيد بحسب قدرتك. والمقصود أن تفهمي وتعملي، لا أن تعلمي أسماء الكتب. ثالثًا: تعلمي ما تحتاجين إليه من أحكام دينك: فابدئي بالطهارة والصلاة والصيام، ثم أحكام الحيض والنفاس والاستحاضة، ثم ما تحتاجين إليه من أحكام الزواج والأسرة؛ فالواجب على المسلم أن يتعلم من العلم ما لا يسعه جهله. ولا تجعلي قلة المال حائلًا بينك وبين العلم؛ فقد تيسرت اليوم وسائل كثيرة لم تكن متاحة لكثير من أهل العلم في السابق، ففي هاتفك تستطيعين سماع الدروس، وقراءة الكتب، والاستفادة من المكتبات الإلكترونية المجانية التي ربما تضم آلاف الكتب. لكن احذري من التنقل العشوائي بين المشايخ والمقاطع أو التنقل بين الكتب؛ فإن ذلك من أسباب التشتت. ولكن اختاري شيخًا موثوقًا، وخذي منه شرحًا لكتاب معين، وأكمليه من أوله إلى آخره. وأما أمك: فأحسني إليها، ولا تجعلي طلب العلم سببًا لعقوقها أو الخصومة معها. فإن كانت تمنعك من الخروج إلى أماكن طلب العلم، فتعلمي في البيت، ولا تقابلي غضبها بالغضب. وقولي لها برفق: يا أمي، أنا لا أريد إلا أن أتعلم ديني، وأحفظ القرآن، وأتعلم الصلاة وأحكام المرأة، وسأقوم بواجباتي في البيت ولن أقصر فيها. وأريها بأخلاقك وأدبك أن العلم الذي تتعلمينه زادك برًّا وطاعةً وحسن خلق، لا تمردًا وخصومة؛ فلعلها إذا رأت أثر العلم عليك تغيّر موقفها مع الوقت فهذا محمد بن بشار، الملقب ببُنْدار رحمه الله، أراد الرحلة في طلب الحديث، فمنعته أمه، فأطاعها ولم يخرج، فبارك الله له في علمه، حتى قالوا: جمع حديث البصرة. فلا تظني أن بقاءك عند أمك وخدمتك لها سيحرمك من العلم؛ فلعل الله أن يفتح لك من أبواب العلم والبركة بسبب برك بها ما لا يخطر لك على بال. فأحسني إليها، واصبري على ما تجدينه منها، واطلبي العلم من بيتك، واجعلي بِرك بها عبادةً تتقربين بها إلى الله، ولعل أمك نفسها تكون سببًا في خير عظيم يكتب الله لك في الدنيا والآخرة. وأما الفراغ: فضعي لنفسك برنامجًا ثابتًا، وليس شرطًا أن يكون طويلًا؛ فبعد الفجر قرآن وحفظ ومراجعة، وفي وقت الفراغ درس علمي وقراءة في الكتاب الذي تدرسينه، وفي المساء مراجعة لما تعلمتِ، وقبل النوم محاسبة للنفس وأذكار واستغفار. ولو خصصتِ كل يوم ساعتين للعلم والقرآن، وحافظتِ عليهما سنوات، لوجدتِ نفسك ـ بإذن الله ـ قد قطعتِ شوطًا عظيمًا؛ فلا تحتقري الساعة ولا النصف ساعة، فإن الأعمار تُبنى من الدقائق. وإن وجدتِ امرأة صالحة من أهل العلم أو طالبة علم موثوقة، فتواصلي معها في المتابعة والمذاكرة والسؤال، فهذا يعينك كثيرًا. وأكثري من الدعاء، وقولي: اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علمًا، وثبت قلبي على دينك، وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وأقول لك أخيرًا: لا تظني أن السنوات التي مضت في الدراسة والدنيا تعني أن الخير قد فاتك؛ فلعلها كانت مقدمة لهذه اليقظة التي تعيشينها اليوم. ورب امرأة بدأت طريق الاستقامة بعد سنوات، فسبقت من سبقها؛ لأن العبرة بصدق السير إلى الله، لا بتاريخ البداية. فلا تنظري خلفك كثيرًا، ولا تجعلي كلام الناس يحبطك. ابدئي اليوم، فخذي مصحفك، وصلي ركعتين، واستغفري ربك، واكتبي برنامجك، واختاري أول كتاب، وابدئي أول درس. وإذا جاءك الشيطان وقال: لقد تأخرتِ، فقولي له: بل قد بدأتُ، وما دام في العمر بقية فسأجعل بقيته لله. أسأل الله أن يشرح صدرك للحق، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، وأن يثبتك على السنة، وأن يهدي أمك وأهلك، ويبارك لك في عمرك، ويجعل ما بقي منه خيرًا مما مضى. والله تعالى أعلم
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد