السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله يا شيخنا خليل. هل يشترط في التقدم إلى السترة في الصلاة أن يكون بثلاث خطوات فقط، أم يجوز التقدم إليها حتى وإن كانت أبعد من ذلك؟
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اتفق أهل العلم على مشروعية اتخاذ السترة للمصلي، واختلفوا في حكمها: فذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، وهو قول عند المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال من المحدثين ابن خزيمة وأبو عوانة، ورجحه من المتأخرين الشوكاني والألباني والشيخ مقبل الوادعي والعلامة محمد بن آدم الأثيوبي رحمهم الله.
والراجح ـ والله أعلم ـ أنها واجبة؛ لصراحة الأدلة الواردة بالأمر بها.
قال العلامة محمد بن آدم الأثيوبي: عندي أن الحقّ قول من قال: بوجوب اتّخاذ السترة مطلقًا، سواء صلّى في البيت، أو في الفضاء هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، قولًا وفعلًا.
أما فعلًا فقد أخرج الشيخان وغيرهما أحاديث فعل النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما هو مذكور في أحاديث هذا الباب.
وأما قولًا، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبّان في “صحيحيهما” عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “لا تُصلِّ إلا إلى سُترة، ولا تَدَع أحدًا يمرّ بين يديك، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان” .
وأخرج الحاكم عن سبرة بن معبد الْجُهنيّ -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا: “ليستتر أحدكم في صلاته، ولو بسهم”، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْنُ منها، ولا يَدَعْ أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمرّ فليقاتله، فإنه شيطان” .
فقد صحّ أمره -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو للوجوب عند جمهور الأصوليين، وصحّ أيضًا فعلًا في الحضر والسفر، فالحقّ أن اتّخاذ السترة واجب مطلقًا.
وأما الذين أجازوا الصلاة بلا سترة مطلقًا، أو في الفضاء، فتردّهم هذه الأحاديث الصحيحة قولًا وفعلًا، ويُمكن أن يُعتذر لهم بأنهم لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة، أو تأوّلوها بما لا يوافقهم فيه غيرهم، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. ا. هـ البحر المحيط الثجاج (11/312)
وعليه؛ فإذا كان المسبوق قد صلى خلف إمامه، ثم قام لقضاء ما فاته بعد سلام الإمام، فإنه يشرع له أن يتخذ له سترة، إذا أمكنه ذلك، ولا سيما إذا كان في موضع يخشى فيه مرور أحد بين يديه.
وإذا كانت السترة قريبة منه، فإنه يتقدم إليها؛ ولا يتكلف في ذلك تكلفًا يخرجه عن هيئة الصلاة، فإن تحصيل السترة مشروع، لكن لا يفعل من الحركة ما ينافي هيئة الصلاة.
ويدل على جواز التقدم إلى السترة ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ((هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة، يعني: فصلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى جدار فاتخذه قبلةً ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فما زال يُدارئها حتى لَصِق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه)) رواه أحمد وأبو داود وصححه محققو مسند الإمام أحمد
ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم إلى الجدار حتى لصق بطنه به دفعًا للبهيمة عن المرور بين يديه، وفيه دليل على جواز التقدم في الصلاة إلى السترة عند الحاجة.
وهذا المعنى هو المعروف عند عامة أهل العلم المتقدمين والمتأخرين؛ فإنهم أجازوا للمصلي أن يتقدم إلى السترة إذا كانت قريبة، ولم يجعلوا ذلك مقيدًا بثلاث خطوات على وجه التحديد، وإنما المعتبر ألا تكون الحركة كثيرة تخرج المصلي عن هيئة الصلاة، أو تشغله عنها.
قال العلامة الألباني: إذا كان هذا البحث يشغله عما هو في صدده من الإقبال على صلاته فليصلي مكانه ؛ وإذا كان هذا البحث لا يكلفه شيئا كثيرا كأن يأخذ يمينا أو يسارا أو يتقدم خطوة أو خطوتين فلا بأس في ذلك ؛ لأن هذا المسبوق لا يزال في حكم المقتدي والسترة الإمام سترة لمن خلفه ؛ ولكن لاشك أنه إذا تستر بسترة في إتمامه لصلاته فذلك أكمل له لدفع من قد يمر بين يديه ؛ لكن لا نريد أن نحقق هذه السترة على حساب استدراكنا واشغالنا عن صلاتنا. ا. هـ "سلسلة الهدى والنور 232"
وقال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: إذا كان سيمشي خطوتين أو نحو ذلك والسترة قريبة منه فإنه يخطو، وإلا فإنه يبقى. ا. هـ
والذي نراه ـ والله أعلم ـ أنه لا يتكلف المصلي في ذلك، بحيث يتحرك في صلاته وكأنه ليس في صلاة؛ فإن كانت السترة قريبة منه، بحيث لا تكثر حركته في الوصول إليها، فبها ونعمت، وإن لم تكن إلا بحركة كثيرة وتشغله عما هو فيه من الصلاة، ترك ذلك ولم يتكلفه، وليتق الله ما استطاع.
ومن أراد أن يمر بين يديه منعه ودفعه ما استطاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)). متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري
والله تعالى أعلم.