السؤال
السلام عليكم ورحمة الله، قول امرأة أبي بكر رضي الله عنه: "لا وقرة عين"، هل يعد من الحلف بغير الله؟ وجزاك الله خير الجزاء.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ورد هذا اللفظ في صحيح البخاري، في قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع أضيافه، وفيها أن أم رومان رضي الله عنها قالت: ((لا، وقرة عيني)).
وقولها: ((وقرة عيني)) ورد في غالب النسخ بالجر، وهي على هذه الرواية ظاهرة في القسم، ووردت في بعض النسخ بالنصب، وهذا الاختلاف له أثر في توجيه العبارة.
فأما رواية النصب، فقد حملها بعض أهل العلم على أنها منادى منصوب بحرف نداء محذوف، والتقدير: ((يا قرة عيني))، وعلى هذا التوجيه فلا تكون من الحلف بغير الله.
قال صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/3837): ((قالت: وقرة عيني: بالجر وفي نسخة بالنصب، ولعلها على نزع الخافض. وقال ابن الملك: بالجر والواو للقسم، وبالنصب منادى حذف حرف ندائه انتهى. وفيه نظر من وجوه كما لا يخفى)). انتهى.
ويمكن كذلك أن تحمل العبارة من جهة المعنى على أنها إخبار عن قرة عينها وسرورها بما حصل، أي: أن ما حصل كان قرة عين لها، وليس المراد إنشاء يمين، وهذا احتمال له وجه، ولا سيما مع اختلاف الرواية في ضبط اللفظ.
ويؤيد هذا ما جاء في حديث جليبيب رضي الله عنه، فقد روى ابن حبان بسند صحيح عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لرجل من الأنصار: ((يا فلان، زوجني ابنتك))، فقال: نعم ونعمى عين، فقال ﷺ: ((إني لست لنفسي أريدها))، قال: فلمن؟ قال: ((لجليبيب))، قال: يا رسول الله، حتى أستأمر أمها، فأتاها فقال: إن رسول الله ﷺ يخطب ابنتك، قالت: نعم ونعمى عين.
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم (12/194): ((ونعمى عين: نعما ونعيم ونعيم عين ونعام عين بمعنى، وأنعم الله عينك أي أقرها فلا يعرض لك نكد في شيء من الأمور)). انتهى.
فهذا يدل على أن ((قرة العين)) ونحوها من عبارات العرب تستعمل في معنى السرور والرضا وطيب النفس، ولا يلزم من ورودها في الكلام أن تكون قسمًا، وهذا يقوي احتمال أن يكون مراد أم رومان رضي الله عنها التعبير عن قرة عينها وسرورها، لا إنشاء اليمين.
وأما رواية الجر: ((وقرة عيني))، فهي وإن كانت محتملة للقسم، فقد اختلف شراح الحديث في توجيهها؛ فذهب ابن رجب رحمه الله إلى أن الحديث فيه جواز الحلف بقرة العين، وقال: ((وقرة عين المؤمن: هو ربه، وكلامه، وذكره، وطاعته)). انتهى.
وحمل بعض أهل العلم ذلك على أنه كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، قال ابن الملقن رحمه الله في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/535): ((وقولها: (وقرة عيني) لعل هذا كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، أو لم تعلمه)). انتهى.
والذي ينبغي ألا يحمل هذا اللفظ على جواز الحلف بغير الله؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك نهيًا صريحًا، فقال: ((من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت))، متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
والحلف لا يكون إلا بالله سبحانه وتعالى، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته؛ فلا يجوز للمسلم أن يحلف بالنبي ﷺ، ولا بالكعبة، ولا بالأمانة، ولا بحياة أبيه أو أمه، ولا برأسه أو رأس غيره، ولا بشرفه، ولا بقرّة عينه، ولا بغير ذلك من المخلوقات.
وعليه، فلا يصح الاستدلال بقول أم رومان رضي الله عنها على جواز الحلف بغير الله؛ لأن اللفظ محتمل من جهة الرواية والتوجيه، وقد يحمل على معنى الإخبار عن السرور وقرة العين، وعلى فرض حمل رواية الجر على القسم، فقد حمل بعض أهل العلم ذلك على أنه كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، أو أنها لم تعلم النهي.
أما من قال: ((وقرة عيني)) ولم يرد بها القسم، وإنما أراد التعبير عن شدة المحبة والسرور، أو أراد الإخبار بأن أمرًا ما كان قرة عين له، فلا يكون بذلك حالفًا، ولا حرج عليه.
والواجب على المسلم أن يحفظ لسانه، وألا يجعل الحلف عادة في كلامه، وإذا احتاج إلى تأكيد كلامه فليحلف بالله تعالى، أو ليترك الحلف؛ قال النبي ﷺ: ((من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)).
والله تعالى أعلم.