الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0076

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل، بارك الله فيكم ونفع بعلمكم. ألاحظ أحيانًا بعض الأئمة أثناء خطبة الجمعة أنهم لا يكتفون بتحريك الرأس أو الالتفات بالنظر، بل يتحرك جسد الخطيب كله يمينًا وشمالًا بشكل متكرر أثناء إلقاء الخطبة. فما حكم هذه الحركة؟ وهل هي مخالفة لهدي النبي ﷺ في خطبة الجمعة، أم أن الأمر فيه سعة؟ وهل الأفضل للخطيب أن يثبت في مكانه ويقتصر على الالتفات عند الحاجة، مع المحافظة على السكينة والوقار والخشوع؟ جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم، ونسأل الله أن يوفق أئمتنا وخطباءنا للاتباع والاقتداء بهدي النبي ﷺ، وأن يجعل خطبهم نافعة مؤثرة، بعيدة عن التكلف وكثرة الحركات التي قد تشغل المصلين عن سماع الذكر والانتفاع بالموعظة

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الأصل في الخطيب في خطبة الجمعة أن يستقبل المصلين، ويقصد تلقاء وجهه، وأن يكون على هيئة من السكينة والوقار، وألا يتكلف كثرة الالتفات والحركات التي لا حاجة إليها، وقد كرهها جمهور العلماء؛ لأن المقصود من الخطبة إسماع الناس الموعظة وتذكيرهم، وما كان أقرب إلى السكينة والوقار، وأبعد عن التكلف وكثرة الحركات، فهو أولى وأكمل في حق الخطيب. قال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم (1/ 230): ويُقل التلفت -أي الخطيب- ويقبل بوجهه قصد وجهه، ولا أحب أن يلتفت يميناً ولا شمالاً ليسمع الناس خطبته؛ لأنه إن كان لا يسمع أحد الشقين إذا قصد بوجهه تلقاءه، فهو لا يلتفت ناحية يسمع أهلها إلا خفي كلامه على الناحية التي تخالفها، مع سوء الأدب من التلفت. انتهى. ا. هـ وهذا الكلام وإن ذكر الإمام الشافعي رحمه الله فيه علةً تتعلق بإسماع الناس، فإن هذا المعنى في زماننا أوضح من جهة أخرى؛ فإن الخطيب اليوم يستعمل مكبرات الصوت، فإذا التفت يمينًا أو شمالًا، أو حرّك جسده بصورة متكررة، ابتعد صوته عن اتجاه الميكروفون، وربما ضعف صوته أو انقطع عن بعض المصلين، فلا يكادون يسمعون كلامه بوضوح. فكيف إذا كان الخطيب يتحرك بجسده كله يمينًا وشمالًا باستمرار؟! فإن هذا قد يفوِّت المقصود من الخطبة، ويشغل المصلين بحركته عن الاستماع إلى الموعظة، فضلًا عن كونه أبعد عن السكينة والوقار وأقرب إلى التكلف. ولهذا كان الأولى بالخطيب أن يقصد تلقاء وجهه، ويقلل من الالتفات والحركات، ويستقبل المصلين بوجهه، ولا يتحرك إلا لحاجة، اقتداءً بهدي السلف، وحفظًا لمقصود الخطبة، وإبعادًا لها عن التكلف. قال النووي رحمه الله في المجموع (4/ 528): يسن أن يقبل الخطيب على القوم في جميع خطبتيه، ولا يلتفت في شيء منهما، قال صاحب الحاوي وغيره: ولا يفعل ما يفعله بعض الخطباء في هذه الأزمان من الالتفات يميناً وشمالاً في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيرها فإنه باطل لا أصل له، واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات، وهو معدود من البدع المنكرة. وقد قال الشيخ أبو حامد في تعليقه: يستحب أن يقصد قصد وجهه، ولا يلتفت في شيء من خطبته عندنا. ا. هـ وقد سئلت اللجنة الدائمة عن خطيب كان يلتفت يمينًا وشمالًا، ويرفع يديه ويشير بهما ذات اليمين وذات الشمال، ويتكرر منه ذلك من أول الخطبتين إلى نهايتهما، فأجابت: "الأولى أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه، وأن يتجنب الالتفات أثناء الخطبة يمينًا أو يسارًا، ويتجنب الإشارة بيده؛ لأن هذا شيء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد الإشارة بالسبابة، حيث إنه عند التفاته إلى أحد الجانبين قد أعرض عن الجانب الآخر، وقد كره ذلك جمع من العلماء، إلا أن الالتفات بالوجه والإشارة بالأيدي لو حصل لا أثر له على صحة الخطبة". ا. هـ فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الثالثة (1/415). وقال العثيمين في الشرح الممتع (5/ 64): فإن قال قائل: هل من السنة أن يلتفت يميناً وشمالاً؟ فالجواب: أن هذا ليس من السنة فيما يظهر، وأن الخطيب يقصد تلقاء وجهه، ومن أراده التفت إليه. ا. هـ ومعنى ذلك أن السنة أن يكون الخطيب مستقبلًا الحاضرين بوجهه، ولا يحتاج إلى أن يلتفت إلى هذه الجهة وتلك الجهة؛ لأن الناس هم الذين يتوجهون إليه، وهو المقصود بالاستماع. وكون الخطيب يلتفت أو يشير بيديه لا يعني أن خطبته باطلة، بل الخطبة صحيحة ولا أثر لهذا الفعل على صحة الخطبة. وفي تتمة الفتوى السابقة للجنة الدائمة: إلا أن الالتفات بالوجه والإشارة بالأيدي لو حصل لا أثر له على صحة الخطبة. ا. هـ وقد يحتاج الخطيب أحيانًا إلى حركة أو إشارة لمصلحة معتبرة، فلا ينبغي التشديد في ذلك؛ فالمقصود هو اتباع السنة وترك التكلف، وليس منع كل حركة تصدر من الخطيب. والخلاصة: أن السنة للخطيب أن يقصد تلقاء وجهه، ويستقبل المصلين، ويحافظ على السكينة والوقار، ويقلل من الالتفات والحركات. أما تحريك الجسد يمينًا وشمالًا بصورة متكررة من غير حاجة، فليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والأولى تركه؛ لما فيه من التكلف، ولأنه قد يشغل المصلين عن سماع الخطبة. وأما الحركة اليسيرة أو العارضة أو التي تدعو إليها حاجة أحيانًا فلا حرج فيها، ولا تبطل الخطبة. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد